ابراهيم بن محمد البيهقي
304
المحاسن والمساوئ
حتّى يقول لنفسه لهفا : * في أيّ مذهب غاية أجري وترى قناتي حين يغمزها * غمز الثّقاف بطيئة الكسر فقال : يا عليّ فكيف تراهما ؟ فقلت : أرى قمري أفق وفرعي بشامة * يزينهما عرق كريم ومحتد يسدّان آفاق السّماء بشيمة * يؤيّدها حزم يؤيّدها حزم وعضب مهنّد سليلي أمير المؤمنين وحائزي * مواريث ما أبقى النّبيّ محمّد ثمّ قلت : يا أمير المؤمنين زرع زكا أصله وطاب مغرسه وتمكّنت عروقه وعذبت مشاربه ، غذاهما ملك أعزّ نافذ الأمر واسع العلم عظيم الحلم والقدر ، علّاهما فعليا ، وحكّمهما فتحاكما ، وعلّمهما فتعلّما ، فهما يطولان بطوله ويستضيئان بنوره وينطقان بلسانه ، ويتقلّبان في سعادته ، فما رأيت أحدا من أبناء الخلفاء أذرب منهما لسانا ، ولا أعذب كلاما ، ولا أحسن ألفاظا ، ولا أشدّ اقتدارا على تأدية ما حفظا ورويا ، فأسأل اللّه أن يزيدهما بالإيمان تأييدا وعزّا ، ويمتّع أمير المؤمنين بهما ويمتّعهما بدوام قدرته وسلطانه ما بقي ليل وأضاء نهار . فضمّهما إلى صدره وجمع يديه عليهما فلم يبسطهما حتى رأيت دموعه تتحادر على صدره رقّة عليهما وإشفاقا ، ثمّ أمرهما بالخروج . قال : ثمّ أقبل علينا وقال : كأنّكم بهما وقد نجم القضاء ونزلت مقادير السماء وبلغ الكتاب أجله وانتهى الأمر إلى وقته المحدود وحينه المسطور الذي لا يدفعه دافع ولا يمنع منه مانع ، وقد تشتّت أمرهما واقترفت كلمتهما وظهر تعاديهما وانقطعت الرقّة بينهما حتى تسفك الدماء وتكثر القتلى وتهتك ستور النساء وتمنّى كثير من الأحياء أنّهم بمنزلة الموتى . قلت : يا أمير المؤمنين أو كائن ذلك ؟ قال : نعم . قلت : لأمر رأيته أو رؤيا أريته أو شيء تبيّن لك في أصل مولدهما أم لأثر وقع لأمير المؤمنين في أمرهما ؟ قال : بل أثر واجب صحيح حملته العلماء عن الأوصياء وحملته الأوصياء عن الأنبياء ، عليهم السلام . قال : وحدّث الأصمعي أنّه دخل ذات يوم على أمير المؤمنين الرشيد وكان لا يحجب عنه وكان في فرد رجليه خفّ وفي الأخرى جورب لعلّة كان يجدها ، فسامره ساعة ثمّ نهض ليخرج فقال له الرشيد : يا أصمعي مادا تشتهي أن يتّخذ لك ليتقدّم فيه وتتغذّى معنا ؟ فقال : أشتهي رقاقا وجوزلا شخصا . فلم يعرف الرشيد ما قاله الأصمعيّ وكره أن يسأله عنه فتقدّم إلى الطبّاخ أن يتبعه ويسأله من تلقاء نفسه ويوهمه أنّه تقدّم إليه فيه فلم يعرفه ، فقال له : الرقاق معروف والجوزل الفرخ السمين . فمضى الطبّاخ وعرف الرشيد ذلك وأصلح للأصمعي ما طلبه وعاد فتغدّى مع الرشيد . فلمّا أكل أمر بأن يحمل معه عشرون ألف درهم .